عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
79
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
كالمعاصي وفنون محن المسلمين قلت : بلى يجوز للعبد أن يرضى بالمعاصي والمحن قولا أو فعلا ، ولكن يجب عليه الرضا بقضاء اللّه فيما قضى من الخير والشر ، كما يجب عليه الإيمان بما قدر اللّه من الخير والشر ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « وأن تؤمن بالقدر خيره وشره » ولا يجوز له مباشرة الشر وأن اللّه تعالى لم يقض بشيء من الخير والشر عبثا ، بل قضى بما قضى لحكمة بالغة ، وله الرضا فيما قضى وقد رضيا بما له فيه الرضا وقد قال المشايخ : الرضا باب اللّه الأعظم . قيل : يعني من أكرم بالرضا فقد لقي بالترحيب الأوفى وأكرم بالتقريب الأعلى . وقال الأستاذ أبو القاسم : إن العبد لا يكاد يرضى عن الحق إلا بعد أن يرضى عنه الحق ؛ لأن اللّه تعالى قال : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المجادلة : 22 ] قلت : - رضى اللّه عنهم - في الأزل بلا هم بأن يرضوا عنه إلى الأبد برضاه فرضوا ، وقيل : قال موسى - عليه السلام - : ( إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت عني . فقال : إنك لا تطيق ذلك ، فخر موسى ساجدا متضرعا ، فأوحى اللّه تعالى إليه يا ابن عمران إن رضائي في رضائك لقضائي » . وقال النصراباذي : من أراد أن يبغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللّه رضاه فيه . وقال السري : خمس من أخلاق المقربين : الرضا عن اللّه فيما تحب النفس وتكره والحب له بالتحبب من اللّه والحياء من اللّه والأنس به والوحشة مما سواه . وقال ابن شمعون : الرضا بالحق والرضا له والرضا عنه والرضا به مريدا ومختارا والرضا عنه قائما ومعطيا والرضا له إلها . وعن ذي النون المصري قال : ثلاثة من أعلام الرضا ؛ ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء . قلت : ما بلغ أحد حقيقة الرضا إلا بالصبر على البلاء ، والشكر عند النعماء والتوكل على رب السماء ، واستحلاء مر القضاء وسلطان المحبة في السراء والضراء ، فإن كل أفعال المحبوب محبوبة ، وسنذكر طرفا من مقام المحبة إن شاء اللّه تعالى . الفصل السادس في مقام المحبة قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في حديث رباني : « ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق